samedi 21 mars 2009

صرخاتُ صمتْ ... خيّبة


في صباحِ يومٍ مشرقٍ رطبْ، أجلسُ معَ وحدتي اليوميّة في زاويتي المعتادة ،أستمتعُ بملاعبةِ حروفي و مشاكسةِ الكلماتْ. مرَّ بقربي شابٌ و فتاة يتجادلونَ بأصواتهما الصاخبة التي أزعجتْ وحدتي .كان الصوتُ يرتفع كلما اقتربا مني، بشيء من الفضول الأنثوي جلستُ أستمعُ لكلامهما ما كان لي خيار أصلا.
يتحدثان عن الحضارة وثقافة البلد وما آلت إليهِ من تطوراتٍ مزدهرة وجميلة، بنبرة من الفخرِ و المزايّدة.ما شدني في كلامهما أكثر، لغتهما المستعملة، كانت فرنسية بحتة. استغربت كيف لهما أن يتحدثا عن الحضارة و ثقافة البلد و نسيا أنهما فقدا أهم عواملِ حضارة البلد و ثقافتها، لغتهما الأم.
قلّما تأتي تلكَ الأفراح المباغتةٌ للحقيقة . . عندما كنتُ صغيرة كنتُ أفكر دائما في كيفيّةِ ترجمة التعابير الإحساسية المخالجة لقلبي، ربيّتُ في جو أسريّ عربي بحت. كان والدي دائما يحثني على القراءة، اكتشفت يومها عالمي الجديد بين حروف و كلمات.أحببت اللغة و عشقت مفاتيحها
كان أبي دائما يدغدغ معرفتي اللغوية بإعطائي أسئلة ليختبرني.
- أعربي لي هذه الجملة و لكِ مني قطعة حلوى.
أصارعُ و اعتصرُ عقلي لأفتحَ أبوابَ التفكير و التخطيط لأفوز بتلك الحلوى.
أذكر أيضا ..كيف كانَ معلم اللغة العربيّة في الإعدادية يطلبُ منا صياغةَ قصصٍ صغيرة في حصة التعبير و كنا كل ما نخطئ في جملة يكون نصيبنا "الناقورة" .
الناقورة هي نقر الرأس بأصبع اليد، كنتُ أجد في رجال الأمس من أبي و معلمي دافع كبير لحبّ اللغة و ممارستها.كنت أرى في قامتهم شموخَ الوطن بقوتهم في أجسادهم التي عرفتْ الجوعَ و الألم الحقيقي .لكن هذه النظرة تلاشت مع مرورِ الأيام و استطانِ الحضارة في مجتمعنا.
يقطع أفكاري ذلك الشاب بجملة صفعتني حقيقتها.
- les plus beaux mots d'Amour sont en français
أجمل كلمات الحب ما ينطق باللغة الفرنسية.

ذكرني بمقولة سلين ديون في حفلٍ حضرته لها، بعد أن متعتنا بأغانيها الرومانسية الإنجليزية... أن أجمل كلمات الحب هي باللغة الفرنسية. وتابعت حفلها على هتف و تصفيق كبير من الجمهور.
لما تخرجتُ من الجامعة وهممت بالولوج في عالم جديد. عالم المثابرة وكسب القوت
جاءتني فرصة للعمل بشركة مصرية، تقبلت الفكرة و أردت أن أخوضها. قابلت المدير لأفهم نوع عملي بالشركة، فاجأني سؤاله جدا
- هل تتقني اللغة العربية؟
استغربت جدا سؤاله هذا، ارتسم على وجهي علامة استفهام كبيرة و اطبق الصمت على شفتي
أردت ان اقول أجل .. طبعا .. حتما.
- نعم أتقنها وهل هناك من لا يعرف لغتهالأم؟
- أفهم استغرابك لكنكم أنتم الجزائريون للأسف مفرنسون.
و أكمل يسرد لي حزنه الشديد بميولنا الغربيّ ، و أنا جالسة بمعرفتي المعطوبة.
أردتُ ان اجادله في الامر ولكن للاسف الواقع أكبر من ان يخاض.
بدليل الجو الذي أعيشه وأمارسه كل يوم من ملل، ألقي تحيتي الصباحية الفرنسية .. حوارنا المعتاد .. عندما اتكلم للبقال والخضار .. الصيدلي ، حتى مديرتي بعملي الجديد، يحدث أن أخطأ في جملة أقولهان تقاطعني موبخة
- attention a votre français
انتبهي للغتك الفرنسية.
المضحكُ في الأمر أنها لا تستطيع حتى قراءة جملة بالعربية فكلُ الاوراق و إن كانت قليلة باللغة العربية، تأتيني بها متوسلةً أن أترجمها لها.

بعد تنهيدة طويلة، يصحبها ملل من سماعي للشابين و أفكاري المفرنسة فتحت أوراقي و بعثرتها ، أردت ان أكتب صمتي اليوم ، أردت ان أقنعَ نفسي بنسيان ما سمعته
حتما نضجت عقولنا نحن الشباب و لكن الزمن هو الذي لم يستو بعد.
تحررنا من استعمارِ سياسي راح ضحيته مليون ونصف مليون شهيد ، دفاعا عن كرامة شعب و خبزِ أمّ و دمعةِ طفل.
لكن للأسف سقطنا في استعمار جديد . استعمار الفكر والحضارة فاصبحنا كشوارع المدن التي تكاثرت فيها القمامات بعد أنّ أضربَ عليها عمال النظافة.
جمعتُ أوراقي فقد داهمني الوقت .. لم أكتب شيئا غير صمتٍ و بعض الكلمات الفرنسيّة
..

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire