
أمارسُ عادتي اليوميّة في ذلكَ الركنِ من الحديقة ، أحاولُ الاختلاءَ بحروفي النرجسيّة، متناسيةً العالمَ الخارجي و ما يتسللُ إليه من مشاكلَ يصنعُها البشرُ عمدا بكلِ إتقان.
كانتِ الساعةُ تشيرُ إلى التاسعةِ صباحاً عندما لمحتُ عمي العربي .. يقتربُ بخطواتٍ ثقيلة نحوي.
يتكئ على عكازه تارةً و يقفُ تارةً أخرى ليستجمعَ أنفاسه ..
صباح الخير يا بنتي .. واش راكِ اليوم هنا؟
صباح الخير عمي العربي كي صبحت اليوم بخير؟
الحمد لله يا بنتي رآنا نمشوا داقا داقا مع الوقت .. ما بقاش قد الي راح.
عمي العربي ذلك المجاهدُ صاحب السبعينَ خريفاً، قد أكلَ الدهرُ والاستعمارُ من أيامهِ و شرب.
يعيشُ ببساطةٍ مع زوجتهِ و ابنتاه، من منحة المجاهدين ثمناً شباب ٍراح تضحية في سبيل الوطن.
وطن لم يهبه سوى كرامة و عزّة، و ذكرياتُ شباب يسردّها لكل من يعرفه بكلِ فخر و سعادة. هذا البلد الذي ارتوت أرضه من دماء أبطال حاربوا و جاهدوا في سبيل تحريره و ما كان لهم سوى الاستشهاد. و من بقي منهم يواصلون حياتهم بعيد عن السياسة والأضواء، تاركين أصحاب الشأن يواصلون حكم الوطن و نهبه.
حتى بيته العتيق يأبى أن يغيّره، بيتٌ صغير في مركزِ العاصمة بالذات في حي القصبة العتيق، أين حدثت أكبر المشادات بين الفدائيين و المستعمر الفرنسي.
لطالما أحسست بثورة كبيرة تغمرني كلما قصدت تلك الأزقة الضيقة و أبوابها المتقاربة .
كانت الحياة وقتها مليئة بالثورة و الأمل على قدر كبير من البساطة. بساطة" دار سبيطار"و" لالا عيني" و "عُمار" الذي كثيرا ما عمل مقالب في الفرنسيين.
يجلس بقربي ليفتح كعادته صفحات الماضي، ليسرد منها ما يستطيع تذكره من بطولات.
شعره الأبيض و ملامحه البسيطة، توحي لي ... كم كان الوطن محضوضا في أيامهم ، وكم هو حزين و مكسورا بوجودنا نحن الآن.
أعترف أنني أحببت حديث عمي العربي على عكس كثير من شبان الحي الذين يتذمرون من كلامه الكثير، الحقيقة الكبيرة أنهم يستحون من جبنهم و خيبتهم الكبيرة التي يعيشونها كل يوم بعدما استعمرتهم عادات و تقاليد غربيّة طغت على عقولهم وتصرفاتهم. متناسين عمي العربي و أمثاله الذي دفعوا حياتهم في سبيل الحرية تحت شعار " ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغيّر القوة"
هل يا ترى لو انقلبت الموازين وواجهنا استعمار جديد هل نستطيع تحرير وطننا كما فعل أجدادنا، أسئلة كثيرة تراودني ، هل سيكون لي جرأة وشجاعة جميلة بوحيرد عندما تنكرت بالزيّ الأجنبي خالعة الحايك العاصمي متسللة إلى " مقهى الميلك بار" لتضع قنبلة دوّ صداها تاريخنا الكبير. هل سأكون مثل عذراء الأوراس " لالا فاطمة نسومر لأحمل السلاح وأمتطي الخيول و أحارب!؟
هل نستطيع نحن شباب اليوم حمل لواء الوطن و حمايته؟ و هل سيكون عمي العربي و غيره من رجال الأمس مطمئنين على وطن و هو بين ايدينا؟
يودّعني عمي العربي بعدما أمتعني بقصصه الجميلة و هو يوصيني بحبّ الوطن واجب و إن لم يكن بتلك الصورة التي نريدها و نحبذها لكنه يبقى الأرض التي ارتويت بدماء مليون ونصف مليون شهيد.
تصبحون على الوطن
كانتِ الساعةُ تشيرُ إلى التاسعةِ صباحاً عندما لمحتُ عمي العربي .. يقتربُ بخطواتٍ ثقيلة نحوي.
يتكئ على عكازه تارةً و يقفُ تارةً أخرى ليستجمعَ أنفاسه ..
صباح الخير يا بنتي .. واش راكِ اليوم هنا؟
صباح الخير عمي العربي كي صبحت اليوم بخير؟
الحمد لله يا بنتي رآنا نمشوا داقا داقا مع الوقت .. ما بقاش قد الي راح.
عمي العربي ذلك المجاهدُ صاحب السبعينَ خريفاً، قد أكلَ الدهرُ والاستعمارُ من أيامهِ و شرب.
يعيشُ ببساطةٍ مع زوجتهِ و ابنتاه، من منحة المجاهدين ثمناً شباب ٍراح تضحية في سبيل الوطن.
وطن لم يهبه سوى كرامة و عزّة، و ذكرياتُ شباب يسردّها لكل من يعرفه بكلِ فخر و سعادة. هذا البلد الذي ارتوت أرضه من دماء أبطال حاربوا و جاهدوا في سبيل تحريره و ما كان لهم سوى الاستشهاد. و من بقي منهم يواصلون حياتهم بعيد عن السياسة والأضواء، تاركين أصحاب الشأن يواصلون حكم الوطن و نهبه.
حتى بيته العتيق يأبى أن يغيّره، بيتٌ صغير في مركزِ العاصمة بالذات في حي القصبة العتيق، أين حدثت أكبر المشادات بين الفدائيين و المستعمر الفرنسي.
لطالما أحسست بثورة كبيرة تغمرني كلما قصدت تلك الأزقة الضيقة و أبوابها المتقاربة .
كانت الحياة وقتها مليئة بالثورة و الأمل على قدر كبير من البساطة. بساطة" دار سبيطار"و" لالا عيني" و "عُمار" الذي كثيرا ما عمل مقالب في الفرنسيين.
يجلس بقربي ليفتح كعادته صفحات الماضي، ليسرد منها ما يستطيع تذكره من بطولات.
شعره الأبيض و ملامحه البسيطة، توحي لي ... كم كان الوطن محضوضا في أيامهم ، وكم هو حزين و مكسورا بوجودنا نحن الآن.
أعترف أنني أحببت حديث عمي العربي على عكس كثير من شبان الحي الذين يتذمرون من كلامه الكثير، الحقيقة الكبيرة أنهم يستحون من جبنهم و خيبتهم الكبيرة التي يعيشونها كل يوم بعدما استعمرتهم عادات و تقاليد غربيّة طغت على عقولهم وتصرفاتهم. متناسين عمي العربي و أمثاله الذي دفعوا حياتهم في سبيل الحرية تحت شعار " ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغيّر القوة"
هل يا ترى لو انقلبت الموازين وواجهنا استعمار جديد هل نستطيع تحرير وطننا كما فعل أجدادنا، أسئلة كثيرة تراودني ، هل سيكون لي جرأة وشجاعة جميلة بوحيرد عندما تنكرت بالزيّ الأجنبي خالعة الحايك العاصمي متسللة إلى " مقهى الميلك بار" لتضع قنبلة دوّ صداها تاريخنا الكبير. هل سأكون مثل عذراء الأوراس " لالا فاطمة نسومر لأحمل السلاح وأمتطي الخيول و أحارب!؟
هل نستطيع نحن شباب اليوم حمل لواء الوطن و حمايته؟ و هل سيكون عمي العربي و غيره من رجال الأمس مطمئنين على وطن و هو بين ايدينا؟
يودّعني عمي العربي بعدما أمتعني بقصصه الجميلة و هو يوصيني بحبّ الوطن واجب و إن لم يكن بتلك الصورة التي نريدها و نحبذها لكنه يبقى الأرض التي ارتويت بدماء مليون ونصف مليون شهيد.
تصبحون على الوطن
.
.
.




